الشيخ محمد هادي معرفة
157
التفسير الأثرى الجامع
قدرة اللّه العزيز الجبّار ، الأمر الذي كان يبعثهم على الجرأة والشجاعة والإقدام ، وغير مهابين من أحد ولا خائفين من شيء . هذا الأمر كان في بدء الأمر موجّها إلى العيون الاثني عشر الّذين بعثهم موسى لغرض الاستطلاع واستخبار الحال ، ليعودوا بالبشائر والترغيب في المكافحة والنضال . الأمر الذي وفى به اثنان منهم وهما : يوشع وكالب . فجعلا يحرّضان القوم ويشجّعانهم على الجرأة والقيام . أمّا العشرة الباقية فعاكسوا الدستور وجعلوا يجبّنون القوم ويثبّطونهم . وبدلا من أن يذكروا وفور النعم وفيض بركاتها ، جعلوا يزهّدونهم فيها باستقلالها والاستهانة بها . كما أنّهم بدلا من أن يذكروا الثغرات المؤاتية لإمكان الظفر على القوم ، جعلوا يصفون من قوّة القوم وشكيمتهم ، بما كاد يهول بني إسرائيل ويوجب إحجامهم عن القيام والإقدام . وهذا معنى قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ . أي بدلا من أن يذكروا ما يثبّت عزيمة القوم ، ذكروا ما يثبّطهم . فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم العشرة المتخلّفة رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ . والرّجز : العذاب . قال الخليل : وكلّ عذاب أنزل على قوم فهو رجز « 1 » . قال أبو إسحاق : ومعنى الرّجز في القرآن هو العذاب المقلقل ، لشدّته ، وله قلقلة شديدة متتابعة « 2 » . أي البلاء النازل المورث للاضطراب المتتابع حتّى الهلاك . ومن ثمّ فسّروه بالوباء أو الطاعون من الأوبئة التي توجب اضطرابا متتابعا ، وتسريعا إلى الهلاك . وخصّ بالذين ظلموا - ولم يعمّ القوم - لأنّ الّذين بدّلوا القول هم العشرة المتخلّفة المثبّطة للقوم . * * * هذا وأمّا الروايات الواردة بشأن هذا الحادث الخطير ، فأكثرها مشوّهة ومشوّشة إلى حدّ بعيد . ويبدو أنّها من مصطنعات اليهود وعامّيّاتهم الشائعة ، تسرّبت إلى التفسير والتاريخ « 3 » . وليس فيها
--> ( 1 ) العين 6 : 66 . ( 2 ) لسان العرب 5 : 352 . ( 3 ) كما قال العلّامة ابن خلدون : كانت العرب يراجع أهل الكتاب قبلهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبعهم من حمير ،